فخر الدين الرازي
23
تفسير الرازي
النعم مشوبة بالآفات والأحزان . والثاني : أن تكون خالصة عنها ، فلما أنعم الله تعالى في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم علينا بالمرتبة الثانية في دار أخرى ، إظهاراً لكمال القدرة والرحمة والحكمة ، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين ، ويزيل الغموم والهموم والشهوات والشبهات . والذي يقوي ذلك ، ويقرر هذا الكلام أن الإنسان حين كان جنيناً في بطن أمه ، كان في أضيق المواضع وأشدها عفونة وفساداً ، ثم إذا خرج من بطن أمه كانت الحالة الثانية أطيب وأشرف من الحالة الأولى ، ثم إنه عند ذلك يوضع في المهد ويشد شداً وثيقاً ، ثم بعد حين يخرج من المهد ويعدو يميناً وشمالاً ، وينتقل من تناول اللبن إلى تناول الأطعمة الطيبة ، وهذه الحالة الثالثة لا شك أنها أطيب من الحالة الثانية ، ثم إنه بعد حين يصير أميراً نافذ الحكم على الخلق ، أو عالماً مشرفاً على حقائق الأشياء ، ولا شك أن هذه الحالة الرابعة أطيب وأشرف من الحالة الثالثة . وإذا ثبت هذا وجب بحكم هذا الاستقراء أن يقال : الحالة الحاصلة بعد الموت تكون أشرف وأعلى وأبهج من اللذات الجسدانية والخيرات الجسمانية . الحجة الثامنة : طريقة الاحتياط ، فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له ، فإن كان هذا المذهب حقاً ، فقد نجونا وهلك المنكر ، وإن كان باطلاً ، لم يضرنا هذا الاعتقاد . غاية ما في الباب أن يقال إنه تفوتنا هذه اللذات الجسمانية إلا أنا نقول يجب على العاقل أن لا يبالي بفوتها لأمرين أحدهما : أنها في غاية الخساسة لأنها مشترك فيها بين الخنافس والديدان والكلاب . والثاني : أنها منقطعة سريعة الزوال . فثبت أن الاحتياط ليس إلا في الإيمان بالمعاد ، ولهذا قال الشاعر : قال المنجم والطبيب كلاهما * لا تحشر الأموات قلت إليكما إن صح لكما فلست بخاسر * أو صح قولي فالخسار عليكما الحجة التاسعة : اعلم أن الحيوان ما دام يكون حيواناً ، فإنه إن قطع منه شيء مثل ظفر أو ظلف أو شعر ، فإنه يعود ذلك الشيء ، وإن جرح اندمل ، ويكون الدم جارياً في عروقه وأعضائه جريان الماء في عروق الشجر وأغصانه ، ثم إذا مات انقلبت هذه الأحوال ، فإن قطع منه شيء من شعره أو ظفره لم ينبت ، وإن جرح لم يندمل ولم يلتحم ، ورأيت الدم يتجمد في عروقه ، ثم بالآخرة يؤول حاله إلى الفساد والانحلال . ثم إنا لما نظرنا إلى الأرض وجدناها شبيهة بهذه الصفة ، فإنا نراها في زمان الربيع تفور عيونها وتربو تلالها وينجذب الماء إلى أغصان الأشجار وعروقها ، والماء في الأرض بمنزلة الدم الجاري في بدن الحيوان ، ثم تخرج أزهارها وأنوارها وثمارها كما